أبو الليث السمرقندي

359

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

اليهود عن صفتك ونعتك ، فزعموا أنهم لا يعرفونك في كتابهم ، فأتنا بمن يشهد لك بأنك نبي مبعوث فنزل : لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ يعني إن لم يشهد لك أحد منهم ، فاللّه تعالى أعظم شهادة من خلقه ، هو يشهد لك بأنك نبيّ ويظهر نبوتك . قال القتبي : هذا من الاختصار لأنه لما نزل إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ [ سورة النساء : 163 ] قال المشركون : لا نشهد لك بهذا فمن يشهد لك ؟ فنزلت هذه الآية حكاية قولهم . فقال تعالى لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ لأن كلمة لكن إنما تجيء بعد نفي شيء ، فوجب ذلك الشيء بها . ثم قال تعالى : أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ أي بأمره . ويقال : أنزل القرآن الذي فيه علمه . ثم قال تعالى : وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ أيضا على شهادتك بالذي شهدت أنه الحق وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً فلا أحد أفضل من اللّه تعالى ، شهادة بأنه أنزل عليك القرآن . قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يعني صرفوا الناس عن دين اللّه قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيداً عن الحق . ثم قال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا أي جحدوا وأشركوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ أي ما داموا على كفرهم وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً يعني : لا يوفقهم لطريق الإسلام إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ يعني : يتركهم ويخذلهم في طريق الكفر عقوبة لكفرهم ولجحودهم وهو طريق جهنم . ويقال : إلا العمل الذي يجبرهم إلى جهنم . وقال الضحاك : لا يهديهم طريقا يوم القيامة ، أي لا يرفع لهم إلا طريق جهنم . وذلك أن أهل الإيمان يرفع لهم في الموقف طريق تأخذ بهم إلى الجنة ، ويرفع لأهل الكفر طريق ينتهي بهم إلى النار . ثم قال تعالى : خالِدِينَ فِيها أَبَداً أي دائمين فيها وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً أي خلودهم وعذابهم في النار هيّن على اللّه تعالى . قوله تعالى : [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 170 إلى 171 ] يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ( 170 ) يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً ( 171 ) يا أَيُّهَا النَّاسُ قال ابن عباس : يعني أهل مكة قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ